الراغب الأصفهاني
102
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 1 » ، وقال عليه الصلاة والسّلام : « أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » « 2 » إشارة إلى الهوى . والعقل وإن كان أشرف القوى ربه صار الإنسان خليفة اللّه تعالى في العالم فليس دأبه إلا الإشارة إلى الصواب كطبيب يشير على المريض بما يرى فيه برأه ، فإن قبل منه المريض وإلا سكت عنه ، ولذلك جعل له الحمية لتكون نائبة عنه في المدافعة والممانعة ولهذا لا يتبين فضيلة العقل لمن لا حمية له ، وبهذا النظر قيل : المهين من لا سفيه له : وقال الشاعر : ( أبو الأسود الدؤلي ) : تعدو الذئاب على من لا كلاب له * وتتقي مربض المستأسد الحامي وأيضا مثل النفس في البدن مثل مجاهد بعث إلى ثغر كي يراعي أحواله ، وعقله خليفة مولاه ضم إليه ليسدده ويرشده ويشهد له وعليه فيما يفعله إذ عاد إلى حضرة مولاه « 3 » وبدنه بمنزلة فرس دفع إليه ليركبه ، وشهوته كسائس خبيث ضم إليه ليتفقد فرسه ، ولا قدر لهذا السايس عند المولى والقرآن بمنزلة كتاب أتاه من مولاه وقد ضمن كل ما يحتاج إليه عاجلا وآجلا كما وصفه تعالى بقوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً « 4 » وبقوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ
--> ( 1 ) النازعات / 40 ، 41 . ( 2 ) قال عنه . العجلوني . رواه البيهقي في الزهد بإسناد ضعيف ، وله شاهد من حديث أنس ولا أصل له بهذا اللفظ ، وذكر الحافظ العراقي أن البيهقي رواه من حديث ابن عباس وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين كشف الخفاء / 1 143 - الإحياء في أماكن متعددة . ( 3 ) في أ / استعمل كلمة الوالي والملك بدلا من مولاه . ( 4 ) النحل / 89 .